النويري
10
نهاية الأرب في فنون الأدب
الغناء ، [ و ] [ 1 ] إذا صنع شيئا صنعه صنعة محكمة ، ومخارق لتمكَّنه من حلقه وكثرة نغمه لا يقنع بالأخذ منه ، لأنه لا يؤدّى صوتا واحدا كما أخذه ولا يغنيّه مرّتين غناء واحدا لكثرة زوائده فيه ، ولكنهما إذا اجتمعا عند خليفة أو سوقة غلب مخارق على المجلس والجائزة بطيب صوته وكثرة نغمه . وقال أبو عبد اللَّه بن حمدون : حدّثنى أبى قال : اجتمعت مع إسحاق يوما في بعض دور بني هاشم ، وحضر علَّويه فغنّى أصواتا ثم غنّى من صنعته : ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة إلىّ فهلَّا نفس ليلى شفيعها ! فقال له إسحاق : أحسنت أحسنت واللَّه يا أبا الحسن ! أحسنت ما شئت ! فقام علَّويه من مجلسه فقبّل رأس إسحاق وعينيه وجلس [ 2 ] بين يديه وسرّ بقوله سرورا كثيرا ؛ ثم قال : أنت سيدي وابن سيدي [ وأستاذى [ 3 ] ] وابن أستاذي ، ولى إليك حاجة . قال : قل ، فو اللَّه إني أبلغ فيها ما تحبّ . قال : أيّما أفضل أنا عندك أم مخارق ؟ فإني أحبّ أن أسمع منك في هذا المعنى قولا يؤثر ويحكيه عنك من حضر ، فشرّفنى به . فقال إسحاق : ما منكما إلا محسن مجمل ، فلا ترد أن يجرى في هذا شئ . قال : سألتك بحقّى عليك وبتربة أبيك وبكل حقّ تعظَّمه إلا حكمت ! فقال : ويحك ! واللَّه لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب ، فأمّا إذا أبيت إلا ذكر ما عندي ، فلو خيّرت أنا من يطارح جوارىّ ويغنّينى لما اخترت غيرك ، ولكنكما إذا غنيّتما بين يدي خليفة أو أمير غلبك على إطرابه واستبدّ عليك بجائزته . فغضب علَّويه وقام وقال : أفّ من رضاك وغضبك ! وكان الواثق باللَّه يقول : علَّويه أصحّ الناس صنعة بعد إسحاق ، وأطيب الناس صوتا بعد مخارق ، وأضرب الناس بعد زلزل وملاحظ ، فهو مصلَّى كلّ سابق نادر
--> [ 1 ] زيادة نراها لازمة . [ 2 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « وصلى » . [ 3 ] زيادة من الأغانى .